سهيلة عبد الباعث الترجمان
290
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
تنزيه أو صفات أفعال ومن زعم أنه عنده علم بصفة نفسية ثبوتية فباطل زعمه ، فإنها كانت عنده ولا حد لذاته " « 1 » . ولكن ابن عربي فيما نراه يقول من جهة أخرى أنه يمكن معرفة اللّه أو الذات الإلهية وذلك بجمعه بين الأضداد ، فتلتقي فيه حيث يوصف بها فيعرف ، فهو أول وآخر من جهة واحدة ، وظاهر وباطن من جهة واحدة ، وإن كانت أوليته تعالى بالنسبة إلينا من وجه وآخريته بالنسبة إلينا من وجه آخر ، وكذلك ظاهريته وباطنيته ، وحيث أن الأول بالنسبة إليه عين الآخر ، والظاهر بالنسبة إليه عين الباطن ، لا جرم إن كان جامعا بين الأضداد ، وهذا المعنى لا يتصور في غيره تعالى ، لأن هذه الحقيقة فيما عداه مفقوده ، ولهذا قال الشيخ قدس اللّه سره في الباب الرابع والعشرين من الفتوحات : قال أبو سعيد الخراز " ما عرفت اللّه إلا بالجمع بين الأضداد " ثم تلا هو الأول والآخر والظاهر والباطن ، يريد من وجه واحد لا من نسب مختلفة لما يراه أهل الفكر من علماء الرسوم « 2 » . ومن هنا جاء تأكيده على واحدية الذات استنادا لحقيقة هذا الأمر ، فالعالم كله من حيث الذات واحد ، فله البقاء ، والفناء في صور العالم وأشكاله « 3 » . ومن هذه الحقيقة التي جمعت الأضداد في معرفة الذات وإدراكها يعود إلى تحديد مذهبه في وحدة الوجود فيرى بأن الكثرة في الوجود تتجمع في وحدة لا تعدد فيها فقال : " وما تفرّق في الوجود فهو عنده واحد " « 4 » وبهذا يحقق ابن عربي للذات الوحدة الكاملة البعيدة عن كل اتصال وكل إدراك ، ويجعلها في ذاتها منزهة عن الموجودات ، غير مدركة للعقل القاصر عن تحديد ماهيتها ومعرفة كنهها ، وكشف أسرارها ، لما هي عليه من التعالي والترفع في ذاتها إذ أن من أسمائه الحسنى العليّ ، فهو العليّ لذاته ، وعلوه لنفسه ، والمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو « 5 » . لكن هل تتضمن هذه
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 818 . ( 2 ) البرزنجي ، مصدر سابق ، ص 397 . ( 3 ) ابن عربي ، كتاب التراجم ، ص 20 . ( 4 ) ابن عربي ، محاضرة الأبرار ، ص 87 . ( 5 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، الفص الإدريسي ، ص 76 .